أمضيتُ السنتين الأخيرتين أحاولُ تجريدَ المشهد التمريضي من الشوائب العالقة به، سواء ما كان بمساهمة فعّالة من مجتمعنا أو ما نتج عن أفكار أُخرى دخيلة على الثقافة المحليّة. وأتممتُ ذلك بصيغٍ مختلفة، فمرة كامتداد طبيعي لحياتي الإجتماعية في المناسبات العائلية والإجتماعات مع الأهل والأصدقاء، ومرّة كجزء من واجباتي الأكاديمية، وأخرى كأحد أنشطة نادي الطالبات في زيارة قمنا بها لمدرسة ثانوية وتحدّثنا فيها عن أبرز الإشكاليات التي تواجه صورة التمريض.غالباً ما أبدأ حديثي بإستعراض موقف الإسلام من التمريض كمهنة وممارسة، ودوره وأهميّته في إطار ذلك الوقت. وإقرار الرسول (ص) –كجهة تشريع- ودعمه المعنوي والمادي. آملة في أن يتركني المستمعون والمحاورون حاملين صورة –من قلب ثقافتهم ومرجعيتهم- أشد وضوحاً وأقرب للحقيقة.
لطالما أساء الناس تقدير مهنة التمريض، مرجعين ذلك إلى كونه تخصص ذو مستوى أكاديمي أقل، وممارسين أقل تأهيلاً. لكن بإمكان المطّلع عن كثب أن يلمس النقلة النوعية التي شهدها المجتمع التمريضي العالمي بشكل عام والمحلي بشكل خاص. فالهيئة السعودية للتخصصات الصحية – الجهة الرسمية التي تشرف على تسجيل وتصنيف الممارسين الصحيين المعترف بهم في المملكة- تمنح ست شهادات اختصاص مختلفة في التمريض، تقدّمها جامعات وكليات ومعاهد حكومية وأهلية –معتمدة- من حملة الدبلوم وحتى حملة الدكتوراه. وتحمل خمس سعوديات درجة الدكتوراه في التمريض، ويشغلن مناصب قيادية وحساسة في جهات مهمّة تمس القطاع الصحّي.
أما من جهة الكادر الغير مؤهل، فالتدريب العملي المستمر الذي توفّره الجهات الأكاديمية الرائدة طيلة سنوات الدراسة أو - على أقل تقدير - في نهايتها، لا يدع مجالاً للتشكيك في قدرة الكادر وتأهليه. يتم دعم المعلومات المحدّثة –المقدّمة بشكل فعّال- وذات العلاقة بالإختصاص بالتدريب العملي، الذي يعرّض الطالب/الممارس لبيئة العمل طيلة سنوات الدراسة، ويمكّنه من تكوين صورة واضحة عن المستقبل الوظيفي، واجباته ومتطلّباته، بالإضافة إلى دوره في تراكم الخبرات وصقل المهارات. لينتج عن ذلك كادر مدعوم معرفياً وعلى درجة عالية من التأهيل والمهارة.
يحتاج القطاع الصحّي في المملكة، الذي يشكّل السعوديون ما نسبته 15% من اجمالي العاملين به، إلى 30 سنة حتّى يتحقّق له الإكتفاء المرجو من الكادر الطبي السعودي. كما جاء في تصريح للدكتور غازي القصيبي لجريدة الإقتصادية. فعدا عن كونه فرصة ومستقبل وظيفي مضمون، وتخصص ذو علاقة واتصال بالحياة اليومية ومهنة ذات تأثير مباشر وملموس، فإنّه يظلُ قطاعاً مهمّاً ينوحُ في قلب الوطن، من جراء ندرة الكادر المؤهل والإهمال –التزوير والإنتحال- وما يخلّفه من أخطاء جسيمة، وبحاجة لأيدي وطنية على قدر كبير من التأهيل تنتشله من وضعه الحالي.
* جزء من حوار، أقيم معي في منتديات جسد الثقافة.
No comments:
Post a Comment